ابن الجوزي

325

صفة الصفوة

الكتابة ؟ قال ابن عسكر : فقلت : أنا . فقال : اعدلوا بنا ناحية من الطريق . فعدلنا فأخرج الهميان فجعل المغربي يقول : حبّتان لفلانة ابنة فلان بخمسمائة دينار ، وحبّة لفلانة بمائة دينار وجعل يعدّد فإذا هو كما قال : فحلّ المغربي هميانه « 1 » وقال : خذ ألف الدّينار التي وعدت على وجادة الهميان . فقال الأعرج : لو كانت قيمة الهميان الذي أعطيتك عندي بعرتين ما كنت تراه ، فكيف آخذ منك ألف دينار على ما هذا قيمته ؟ وقام ومضى ولم يأخذ منه شيئا . 949 - عابد آخر أبو الحسن اللؤلؤي ، وكان خيّرا فاضلا قال : كنت في البحر فانكسر المركب وغرق كل ما فيه ، وكان في وطائي « 2 » لؤلؤ قيمته أربعة آلاف دينار . وقربت أيام الحج وخفت الفوات ، فلما سلّم اللّه عزّ وجلّ روحي ونجّاني مشيت ، فقال لي جماعة كانوا في المركب : لو توقفت عسى يجيء من يخرج شيئا فيخرج لك من رحلك شيئا . فقلت : قد علم اللّه عزّ وجل ما مر مني ، وكان في وطائي شيء قيمته أربعة آلاف [ دينار ] وما كنت بالذي أوثره على وقفة بعرفة . فقالوا : وما الذي ورّثك هذه المنزلة ؟ فقلت : أنا رجل مولع بالحجّ ، أطلب الرّبح والثواب ، حججت في بعض السنين وعطشت عطشا شديدا فأجلست عديلي في وسط المحمل ، ونزلت أطلب الماء والناس معطشون أيضا . فلم أزل أسأل رجلا رجلا ومجمعا مجمعا : أمعكم ماء ؟ والناس شرع واحد « 3 » حتى صرت في ساقة القافلة « 4 » بميل أو ميلين فمررت بمصنع « 5 » مصهرج وإذا رجل فقير جالس في أرض المصنع وقد غرز عصاه في أرض المصنع ، والماء ينبع من موضع العصا وهو يشرب فنزلت إليه وشربت حتى رويت وجئت إلى القافلة والناس قد نزلوا ، فأخرجت قربة ومضيت فملأتها ورجعت . فلما رآني الناس والقربة على كتفي مملوءة فكأنه نودي فيهم أن الماء

--> ( 1 ) الهميان بالكسر : التكة والمنطقة ، وكيس للنفقة يشد في الوسط . ( 2 ) أي فراشه . ( 3 ) أي سواء في ذلك . ( 4 ) أي في مؤخرتها . ( 5 ) المصنع : ما يجمع فيه ماء المطر .